محمد بن جرير الطبري
249
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذكره أوعد عباده أن يؤاخذهم بما كسبت قلوبهم من الأَيمان ، فالذي تكسبه قلوبهم من الأَيمان ، هو ما قصدته ، وعزمت عليه على علم ومعرفة منها بما تقصده وتريده ، وذلك يكون منها على وجهين : أحدهما على وجه العزم على ما يكون به العازم عليه في حال عزمه بالعزم عليه آثما وبفعله مستحقا المؤاخذة من الله عليها ، وذلك كالحالف على الشيء الذي لم يفعله أنه قد فعله ، وعلى الشيء الذي قد فصله أنه لم يفعله ، قاصدا لقيل الكذب ، وذاكرا أنه قد فعل ما حلف عليه أنه لم يفعله ، أو أنه لم يفعل ما حلف عليه أنه قد فعل ، فيكون الحالف بذلك إن كان من أهل الإِيمان بالله وبرسوله في مشيئة الله يوم القيامة إن شاء واخذه به في الآخرة ، وإن شاء عفا عنه بتفضله ، ولا كفارة عليه فيها في العاجل ، لأَنها ليست من الإِيمان التي يحنث فيها ، وإنما الكفارة تجب في الأَيمان بالحنث فيها ، والحالف الكاذب في يمينه ليست يمينه مما يبتدأ فيه الحنث فتلزم فيه الكفارة . والوجه الآخر منهما : على وجه العزم عل إيجاب عقد اليمين في حال عزمه على ذلك ، فذلك مما لا يؤاخذ به صاحبه حتى يحنث فيه بعد حلفه ، فإذا حنث فيه بعد حلفه كان مؤاخذا بما كان اكتسبه قلبه من الحلف بالله على إثم وكذب في العاجل بالكفارة التي جعلها الله كفارة اليمين لذنبه . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ يعني تعالى ذكره بذلك : والله غفور لعباده فيما لغوا من أيمانهم التي أخبر الله تعالى ذكره أنه لا يؤاخذهم بها ، ولو شاء وأخذهم بها ، ولما وأخذهم بها فكفروها في عاجل الدنيا بالتكفير فيه ، ولو شاء وأخذهم في آجل الآخرة بالعقوبة عليه ، فساتر عليهم فيها ، وصافح لهم بعفوه عن العقوبة فيها وغير ذلك من ذنوبهم . حليم في تركه معاجلة أهل معصيته العقوبة على معاصيهم . القول في تأويل قوله تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يعني تعالى ذكره بقوله : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ الذين يقسمون ألية ، والأَلية : الحلف . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا مسلمة بن علقمة ، قال : ثنا داود بن أبي هند ، عن سعيد بن المسيب في قوله : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ يحلفون . يقال : آلى فلان يؤلي إيلاء وألية ، كما قال الشاعر : كفينا من تغيب من تراب * وأحنثنا ألية مقسمينا ويقال ألوة وألوة ، كما قال الراجز : يا ألوة ما ألوة ما ألوتي وقد حكي عنهم أيضا أنهم يقولون : " إلوة " مكسورة الأَلف ، والتربص : النظر والتوقف . ومعنى الكلام : للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم تربص أربعة أشهر ، فترك ذكر أن يعتزلوا اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام عليه . واختلف أهل التأويل في صفة اليمين التي يكون بها الرجل موليا من امرأته ، فقال بعضهم : اليمين التي يكون بها الرجل مؤليا من امرأته الإِيلاء ، أن يحلف عليها في حال غضب على وجه الإِضرار لها أن لا يجامعها في فرجها ، فأما إن حلف على غير وجه الإِضرار على غير غضب فليس هو موليا منها . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد بن السري ، قال : ثنا أبو الأَحوص ، عن سماك ، عن حريث بن عميرة ، عن أم عطية ، قالت : قال جبير : أرضعي ابن أخي مع ابنك فقالت : ما أستطيع أن أرضع اثنين ، فحلف أن لا يقربها حتى تفطمه . فلما فطمته مر به على المجلس ، فقال له القوم : حسنا ما غذوتموه . قال جبير : إني حلفت ألا أقربها حتى تفطمه . فقال له القوم : هذا الإِيلاء إيلاء ، فأتى عليا فاستفتاه ، فقال : إن كنت فعلت ذلك غضبا فلا تصلح لك امرأتك ، وإلا فهي امرأتك . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن سماك ، أنه سمع عطية بن جبير ، قال : توفيت أم صبي نسيبة لي ، فكانت امرأة أبي ترضعه ، فحلف أن